الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
315
مناهل العرفان في علوم القرآن
العامل السادس شجاعة الأصحاب شجاعة فطرية ، وصراحتهم صراحة طبيعية ، نشئوا عليهما منذ حداثتهم ، وطبعوا عليهما بفطرتهم وبيئتهم ، كأمة متبدّية لا تعرف ختل الحضارة الملوّثة ، ولا تألف نفاق المدنية المذبذبة . ثم جاء الإسلام فعزّز فيهم هذا الخلق الفاضل ، وزادهم منه ، وبنى حضارته الصحيحة ومدنيّته الطاهرة عليه ، بمثل ما سمعت في أصدق الحديث وحير الهدى . حتى لقد كان الرجل منهم يقف في وسط الجمهور يردّ على أمير المؤمنين وهو يلقى خطاب عرشه ردّا قويا صريحا خشنا . بل كانت المرأة تقف في بهرة المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين وهو يخطب ، وتعارض رأيه برأيها ، وتقرع حجّته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصواب ، وأمير المؤمنين في الحالين يغتبط بهاتيك الصراحة ويسرّ بتلك الشجاعة ، ويعلن اغتباطه بموقف ذلك العربي الخشن الذي ردّ عليه ، كما يعلن رجوعه عن رأيه إلى رأى هذه السيدة التي حجّته بين يديه ، وما أمر عمر ببعيد عنكم ، ولا مجهول لكم ، لا عند ولايته الخلافة وهو قائم يلقى خطاب عرشه ، ولا عندما وقف على منبره ينهى عن التغالى في مهور النساء ! ! . فهل يرضى العقل والمنطق أن تجرح هذه الأمة الصريحة القوية وتتهم بالكذب أو بالسكوت على الكذب في كلام اللّه ، وفي سنّة رسول اللّه ؟ ! . ثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التثبّت ودقّة التحري في كتاب اللّه وسنة رسول اللّه ؟ « لقد أسفر الصّبح لذي عينين » ! .